يحيي بن حمزة العلوي اليمني

71

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وثالثها : أنا نراهم في أساليب كلامهم يفضلون لفظة على لفظة ، ويؤثرون كلمة على كلمة ، مع اتفاقهما في المعنى ، وما ذاك إلا لأن إحداهما أفصح من الأخرى ، فدل ذلك على أن تعلق الفصاحة إنما هو بالألفاظ العذبة ، والكلم الطيبة ألا ترى أنهم استحسنوا لفظ الديمة ، والمزنة ، واستقبحوا لفظ البعاق لما في المزنة ، والديمة ، من الرقة واللطافة ولما في البعاق ، من الغلظ والبشاعة . ومما أغرق في اللذة والسلاسة قوله تعالى في وصف خروج القطر من السحاب : فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [ النور : 43 ] فأين هذا من قول امرئ القيس في هذا المعنى : فألقى بصحراء العبيط بعاعه فانظر ما بين الودق والبعاع فاختصاص الودق بالرقة واللطافة عما تضمنه ، البعاع ، من الغلظ والبشاعة دلالة ظاهرة على ما قلناه من أن الفصاحة راجعة إلى اللفظ لأجل دلالته على معناه . فأما من زعم أن الفصاحة متعلقها اللفظ لا غير ، فقد أبعد ، فإن الالفاظ لا ذوق لها ولا يمكن الإصغاء إلى سماعها إلا لأجل دلالتها على معانيها ، فأما إذا خلت عن الدلالة عليها فلا وقع لها بحال ، وغالب ظني أنه لا بد له من اعتبار المعنى ، خلا أنه يكون ضمنا وتبعا للألفاظ لا محالة . وأبعد من هذا من زعم أن متعلق الفصاحة في المعاني فقط ، كما حكيناه عن ابن الخطيب فإن المعاني إنما توصف بالبلاغة ، فأما الفصاحة فإنها من صفات الألفاظ كما مر بيانه . وعلى الجملة فإن أراد أنه لا بد من اعتبار الأمرين جميعا ، اللفظ والمعنى ، على أن إطلاق الفصاحة على أحدهما ويكون الثاني تبعا فالخلاف لفظي ، وإن أراد أنّ إطلاق اسم الفصاحة إنما يكون على أحدهما على انفراده ، فهو خطأ كما أسلفنا تقريره . فهذا ما أردنا ذكره فيما يخص كل واحد منهما .